فصل: مسألة قال لفلان عشرة دنانيرمن مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال لفلان عشرة دنانيرمن مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر:

وسئل: عمن أوصى لرجل بمائة درهم أعطوه إياها وخذوا منها خمسة دنانير لي عليه، فقال الموصى له: ما له علي شيء، فأطرق فيها، ثم قال: ما أراه أعطاه المائة درهم إلا على هذا، فلينظر فإذا كان في المائة درهم فضل عن الخمسة دنانير أعطيه الموصى له في رأيي، وإن كانت الخمسة دنانير أكثر من المائة درهم أحلف فيما فضل في رأيي، فإن لم يحلف غرمها.
قيل له: يحلف وإن لم تكن بينهما مخالطة؟
فقال: وإن لم تكن بينهما، مخالطة، ليست المخالطة هنا شيئا.
ومن سماع عيسى بن دينار في كتاب بع ولا نقصان عليك قال: وقال مالك في الذي يقول عند الموت لفلان عندي عشرة دنانير ولي عنده خمسة دنانير فأنكر الذي أقر له بالعشرة أن تكون عليه الخمسة، قال: يأخذ العشرة وعلى الورثة البينة في الخمسة أنها عليه.
قيل: فلو قال لفلان عشرة دنانير من مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر؟
قال: لا يكون له إلا الخمسة؛ لأنه لم يوص إلا بالخمسة حين قال ولي عليه خمسة، قال: وقال مالك كذلك.
قال محمد بن رشد: الفرق بين أن يوصي له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة وبين أن يقر له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة بين لا إشكال فيه.
وقد مضى القول في إيجاب اليمين عليه دون خلطة فيما أوصى أن له عنده وفي نكوله عن اليمين في رسم الوصايا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه:

ومن كتاب أوله مساجد القبائل:
قال أشهب: سألت مالكا: عن الرجل يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه، فقال: لا يشتري من العبد إلا أن يكون عبدا يشتري ويبيع، فإن كان عبدا لا يشتري ولا يبيع فلا يشتري منه إلا بإذن أهله ولا يصدقه بقوله قد أذن لي أهلي حتى يسألهم عن ذلك أو يرده عليه ولا يشتريه، وربما باع العبد ثيابه فليرده عليه ولا يشتريه وعسى بأهله أن يكونوا عبيدا.
قال محمد بن رشد: في سماع أشهب من كتاب الضحايا أنه يصدق العبد الفصيح الذي مثله يؤتمن فيما ادعى من أن ذلك له وأنه أذن له في البيع، فيحتمل أن تفسر بذلك رواية أشهب هذه، فإن حملت على ظاهرها فذلك على التورع لا على ما يلزم ويجوز بدليل ما روي من أن عبد الله بن عمر مر في بعض أسفاره على راع يرعى على رأس جبل فاشترى منه شاة ضحى بها ولم يسأله عن شيء، وبالله التوفيق.

.مسألة اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح فقال إنما أردت أن أولجها إليها:

ومن كتاب الوصايا الصغير:
قال أشهب: وسمعته يسأل عمن اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح، فقال: إنما أردت أن أولجها إليها أتراها تلزمه؟
قال: نعم تلزمه، أقر لها وهو مريض وينكرها وهو صحيح.
وسئل عنها سحنون فقال مثله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الإقرار في المرض يلزمه إذا صح، ولا اختلاف في هذا ولا كلام، وإنما الكلام إذا أقر أحد الزوجين في مرضه ثم مات من مرضه ذلك قبل أن يصح منه، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة أقرت بقبض المهر وأقر الزوج بأنه لم يدفعه فطلبت المرأة مهرها:

قيل لسحنون: فلو أن امرأة قالت في مرضها إني قبضت مهري من زوجي، ثم إن زوجها مرض، فقال: إني لم أدفع إلى امرأتي مهرها فمات الزوج وبقيت المرأة.
وكيف إن لم يمت الزوج وقامت المرأة تطلب مهرها وتزعم أن قولها في مرضها كان محاباة له، وتقول: قد أقر لي زوجي ولم يستحل ما قلت، وقال الزوج: بل كان الكلام الذي تكلمت به في مرضي محاباة لك، فكل واحد منهما يكذب صاحبه.
قال سحنون: يلزمها إذا صحت، فإن مات الزوج وأراد ورثته أن يلزموها ذلك كان ذلك لهم، وإن تمادى بالزوجة المرض حتى مات الزوج ثم ماتت بعده فالإقرار يلزمها.
قال محمد بن رشد: إذا أقرت المرأة في مرضها أنها قد قبضت مهرها من زوجها ثم مرض هو فأقر أنه لم يدفع إليها مهرها، ثم قامت المرأة تطلب مهرها، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون طالبة له وهي مريضة لم تصح بعد من مرضها؛ والثاني: أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها؛ والثالث: أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها.
وكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تقوم عليه وهو مريض لم يصح بعد من مرضه. والثاني: أن تقوم على ورثته بعد أن مات من مرضه، والثالث: أن تقوم عليه بعد صحته.
فأما الوجه الأول: وهو أن تقوم عليه وهي مريضة فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان قد مات من مرضه لم يكن لها شيء.
وأما الوجه الثاني: وهو أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد مات لم يكن لها شيء، وإن كان قد صح من مرضه كان لها صداقها.
وأما الوجه الثالث: وهو أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان هو قد مات من مرضه ذلك نظرت فإن كانت ماتت قبله كان لها صداقها، وإن مات قبلها فقيل: إن الإقرار يلزمها ولا يكون لها شيء، وهو قول سحنون في هذه الرواية وروي مثله عن مالك، وقيل: إن الإقرار لا يلزمها ويكون لها صداقها، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وبالله التوفيق.

.مسألة والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من زرع يتيمه:

ومن كتاب الوصايا والحج والزكاة:
وسمعته يسأل عن والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من زرع يتيمه أو غير ذلك، فقال: أرجو ألا يكون بذلك بأس يرجو بركة ذلك لليتيم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح، ومعناه: في اليسير الذي جرت العادة بالمسامحة فيه.
والأصل في جواز ذلك قول الله عز وجل: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] فإذا جاز للوصي أن يأكل بالمعروف من مال يتيمه كان أحرى أن تجوز له به الصدقة عن اليتيم لما يرجوه له في ذلك من الأجر والثواب، وبالله التوفيق.

.مسألة المولى عليه يدان ثم يموت:

وسمعته سئل: عن المولى عليه يدان ثم يموت، فقال: لا يقضى دينه ولا يكون في ماله، وهو في موته مثله في حياته، إلا أن يوصي به بثلثه فذلك له إذا أمره به وقد بلغ الوصية.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن الدين يكون في ثلثه إذا أقر به في مرضه أو في صحته، ولم يختلف أنه إن أوصى به في ثلثه جاز ولزم ذلك على جهة الوصية إلا ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ أن ذلك جائز ما لم يكثر، والصحيح أنه لا يكون في ثلثه إلا أن يوصي بذلك، فإن أوصى به كان ذلك في ثلثه قل أو كثر، وبالله التوفيق.

.مسألة السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته:

وسمعته يسأل فقيل له: إن ابني تزوج امرأة ولم يوامرني وهو يريد الذهاب معها ويتركني وأنا شيخ كبير لا أقدر على نزع الشوكة من رجلي حتى تنزع عني، فقال: إن كان ابنك قد بلغ وهو يلي نفسه وليس بسفيه ولا ضعيف العقل فذلك جائز، وإن كان لا يلي نفسه وهو سفيه مأخوذ على يديه فليس ذلك له، فقال الرجل: أله أن يخرج عني ويدعني؟
فقال: نعم ذلك له إن كان غير سفيه وهو رجل يسافر ويخرج إلى العراق، فإذا كان قد بلغ ولم يكن سفيها ولا مأخوذا على يديه فذلك له، وإن كان سفيها أو ضعيفا يخاف عليه فليس له ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن المالك لأمر نفسه له أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه أن يمنعه من ذلك، وأما السفيه الذي لا يملك ماله ويخشى منه أبوه أو وليه السفه في ذاته والفجور بانفراده فله أن يضمه إلى نفسه ويمنعه من السفر والمغيب عنه.
واختلف في السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته، فقيل: إن للوالي أن يضمه إليه ويمنعه من الذهاب والسفر حيث شاء، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقيل: ليس ذلك له، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح من المدونة إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء على ما تأوله عليه ابن أبي زيد من قوله، يريد بنفسه لا بماله، وبالله التوفيق.

.مسألة أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه:

ومن كتاب الأقضية الأول:
وسئل مالك: عن رجل أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه، فلما تقاضاه إياها قال دفعتها إلى الصراف حسبته لك وكيلا.
فقال: ما شأنه وشأن الصراف، ذلك عليه.
قيل: أترى أن يحلف له الصراف إن جحده؟
فقال: ذلك يختلف، إن كان متهما رأيت أن يحلف هذه شبهة، وإن لم يكن متهما لم أر أن يحلف.
قال سحنون: وقال ابن نافع: ويحلف له الصراف على كل حال.
قال الإمام القاضي: قول ابن نافع هو الصحيح في النظر الجاري على الأصول.
وأما تفرقة مالك بين المتهم في ذلك فهو استحسان على غير حقيقة القياس، وإنما يرجع الأمر في ذلك إلى اعتبار الخلطة، فإذا قلت إنها قد حصلت بينه وبين الصراف بقبض الدراهم عنده وجبت له عليه اليمين وهو قول ابن نافع، وإن قلت: إنها ليست بخلطة فلا يحلف في وجه القياس كان متهما أو لم يكن، وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق بمال له وقام الغرماء عليه فلم يجدوا غير ذلك الذي تصدق به:

وسئل: عن رجل تصدق بمال له أو أعتق عبدا له ثم مكث حينا ثم إن الغرماء قاموا عليه فلم يجدوا له شيئا غير ذلك الذي تصدق به أو العبد الذي أعتق، كيف يفعل به؟
قال مالك: أما الصدقة فإن جاء الغرماء بالبينة أنه تصدق بها يوم تصدق وهو لا وفاء عنده فيما يرون ردت الصدقة ولم تجز وإلا جازت، وأما العبد فلا يرد عتقه؛ لأن شهادته قد جازت وتمت حرمته وصار حرا جرت عليه الحدود وله.
قال ابن القاسم في الصدقة: إذا لم يعلموا بالصدقة وأقاموا البينة على أنه لم يكن له وفاء يوم تصدق به ردوا منها قدر حقوقهم وكان ما بقي لمن تصدق به عليه، وإن علموا كانت الصدقة جائزة لمن تصدق بها عليه ولم يرد منها شيئا.
قال محمد بن رشد: الذي يعرف من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن العبد يرد عتقه أيضا إذا أعتقه وهو مستغرق الذمة بغير علم الغرماء كالصدقة سواء، ورواية أشهب هذه أن العتق لا يرد لحرمته وجواز شهادته استحسان، ومعناه: إذا طالت المدة، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز إن العتق لا يرد علم الغرماء به أو لم يعلموا إذا طال ذلك وولد له الأولاد.
والوجه في ذلك: أن المدة إذا طالت احتمل أن يكون الغريم قد أفاد فيها مالا ثم ذهب ولم يعرف، فلم ير أن يرد العتق الذي قد تمت حرمته إلا بيقين، وهو أن يقوم الغرماء بعقب العتق.
وقد تأول أن قول ابن القاسم ليس بخلاف لهذه الرواية، ومعناه: إذا قام الغرماء بعقب العتق، ومعنى هذه الرواية إذا قاموا بعد المدة الطويلة، فتتفق الروايتان على هذا التأويل.
والأظهر أنه اختلاف من القول إذا طالت المدة، فوجه القول في أن العتق يرد أنه عتق عداء، إذ لا يجوز لمن عليه دين أن يتلف ماله بالعتق كما لا يجوز أن يتلفه بالصدقة، فوجب أن يرد العتق كما ترد الصدقة.
ووجه القول بأنه لا يرد أن دين الغرماء إنما هو في ذمة السيد لا في عين العبد، إذ لو تلف العبد لم يبطل الدين، فوجب أن ينفذ العتق لحرمته، إذ لا يبطل الدين بعتقه؛ لأنه باق في الذمة، وبالله التوفيق.

.مسألة رهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل:

وسئل مالك: عن رجل باع سلعة بدين من رجل إلى أجل، فرهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل والسلعة قائمة عند مرتهنها.
قال مالك: بائعها بالخيار إن شاء افْتَكَّهَا من مرتهنها بما رهنت عنده ويحاص الغرماء بما افتداها به كان ذلك له، وإن أحب أن يسلمها ويحاص الغرماء بثمنها كان ذلك له.
فإن افتداها من المرتهن كان الغرماء بالخيار، إن شاءوا دفعوها إليه، وإن شاءوا أعطوه ثمنها؛ فإن أعطوه ثمنها وتركها حاص في جميع ذلك بما افتداها به، ولا يحاص بثمنها إلا في إسلامها للمرتهن وتركها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها.
وقد قيل: إنه لا يضرب بما افتك به الرهن كافتكاك رقبة العبد الجاني إذا كان قد باعه وجنى وفلس المشتري قبل أن يفتكه، وهو بعيد، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري بالدين في عطائه فيكتب ذلك في ديوانه فيخرج له نصف العطاء:

وسئل: عن الرجل يشتري من الرجل بالدين في عطائه أو إلى أول عطاء يخرج له، فيكتب ذلك في ديوانه، فيخرج له نصف العطاء، أيحل حقه كله عليه؟
قال: إن أمثل ذلك عندي لو أخذ منه ما خرج من عطائه فقط.
وسئل: عن الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة، أيؤخذ ذلك من ماله؟
قال: لا أرى ذلك.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية من هذا السماع، فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد.

.كتاب المديان والتفليس الثاني:

.مسألة يحبس في الدين ولا مال له:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، قال: ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور، وإنما يسأل القاضي عنه أهل الخبرة به والمعرفة، فإن لم يجد له مالا أحلفه وخلى سبيله.
قال القاضي: قوله وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، معناه: ولا مال له في ظاهر أمره، إذ لو عرف أنه لا مال له لم يجب سجنه لقول الله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
وقوله: إنه ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، ومعناه: أنه ليس ذلك عليه حتى لا يجزئه دونه، إذ له أن يجتزئ في ذلك بأن يسأل عنه أهل الخبرة والمعرفة. وإذا لم يكن ذلك عليه فليس له أن يفعله ويترك السؤال عنه، وإن فعل ذلك مضى. وهذا في المجهول الحال الذي لا يتهم بتغييب ماله فيحبس حبس تلوم واختبار. وأما من حبس للتهمة بأنه غيب ماله فلا يجوز للقاضي أن يكتفي بالسؤال عنه دون أن يكلفه البينة على عدمه.
وصفة الشهادة على العدم أن يقول الشاهد إنه يعرفه فقيرا عديما لا يعلم له مالا ظاهرا ولا باطنا.
واختلف إن شهد أنه فقير عديم لا مال له ظاهرا ولا باطنا، فقيل: إنها شهادة لا تجوز؛ لأنها تحمل على ظاهرها من البتات.
وقيل: إنها جائزة؛ لأنها تحمل على العلم.
وأما إن نص في شهادته على البت والقطع فلا تجوز شهادته قولا واحدا.
فقوله في هذه الرواية: والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور صحيح لا اختلاف فيه إن كان نص في شهادته على البت والقطع، وإن كان لم ينص على ذلك فيها وإنما قال إنه لا مال له ولم يزد على ذلك فهو أعدل، على أحد القولين.
وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الشهادات التكلم على هذا المعنى في نظير هذه المسألة، فتأمل ذلك وقابله بقولي هاهنا فإن بعضه مبين لبعض، وبالله التوفيق.

.مسألة له على رجلين دين فأخذ أحدهما فحبسه في حقه:

وسئل: عن رجل له على رجلين دين كتب عليهما وأيهما شاء أخذ بحقه، فأخذ أحدهما فحبسه في حقه، فأراد المحبوس أن يحبس الذي أبى صاحب الحق أن يحبسه.
قال ذلك له إذا كان له مال أو يخاف أن يكون قد خبأ مالا، فذلك له يعمل به مثل ما يعمل صاحب الدين بالذي عليه الحق.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه ضامن لنصف الحق عنه، فإذا سجن فيه كان له هو أن يسجن الذي ضمن عنه لما يجب له من الرجوع عليه فيما سجن فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة له على رجلين حق فسأله رجل عن حقه فقال ما لي عليهما شيء:

وعن رجل له على رجلين حق وأيهما شاء أخذ بحقه، فسأله رجل عن حقه، فقال: ما لي عليهما شيء، ثم ادعى كل واحد منهما أنه قد دفع إليه ذلك الحق، وأقر صاحب الحق أنه قد قبضه من أحدهما، فقال: أراه شاهدا للذي زعم أنه دفع إليه؛ لأنه لم تبق لصاحب الحق تهمة يجر بها إلى نفسه شيئا، فأراها شهادة قاطعة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه شاهد لأحدهما على الآخر بما لا منفعة له فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود:

وسئل: عن رجل ادعى على رجل مائة دينار وأقر بها الذي ادعيت قبله وأنه قد أوصلها إليه، فأقام شهيدين يشهدان أنه أقر أنه أوصل إليه خمسين دينارا وأقام عليه شهيدين آخرين أنه أوصله خمسين دينارا، وقال الذي له الحق: إنما هي خمسون دينارا ولكني أشهدت له شهودا بعد شهود، أفتراها مائة أم خمسين؟
قال: أراها خمسين؛ لأن الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود، فأراها خمسين إلا أن يكون كتب له براءتين، فإن هذا مما يستدل أنه أمران مختلفان وإلا فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله أراها خمسين، يريد مع يمين الذي له الحق أنها خمسون واحدة.
وفي رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الشهادات خلاف هذا أن القول قول الذي عليه الحق. وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك:

وعن رجل ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك ولا كانت بيني وبينك خلطة قط، ثم ادعى بعد ذلك المدعى عليه قبل المدعي بحق وأتى عليه ببينة، هل تنفعه بينته وهو قد أنكر خلطته، فقال: لا أرى أن تنفعه بينته ولا تجوز شهادتهم إلا أن تكون بعد ذلك خلطة.
قال الإمام القاضي: هذه مسألة جارية على أصل مختلف فيه في المذهب قائم من المدونة من كتاب اللعان وغيره.
وقوله في آخر المسألة: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة- لفظ وقع على غير تحصيل، إذ لا تعتبر الخلطة مع قيام البينة.
فإذا أقام البينة بحق له عليه من معاملة قديمة قبل إنكاره أن تكون بينه وبينه خلطة لم ينتفع بها، وإن أقام البينة بحق له عليه من معاملة حديثة بعد إنكاره أن يكون بينه وبينه خلطة قضي له بها وإن لم يكن بينهما بعد ذلك خلطة.
وإن قالت البينة لا تدري هل كانت المعاملة قبل الإقرار أو بعده فالقول قول الطالب مع يمينه أنها بعد الإقرار. وإنما تعتبر الخلطة مع مجرد الدعوى.
فقوله: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة إنما يصح إن ادعى قبله دعوى لم يقم عليها بينة من معاملة حديثة بعد أن أنكر خلطته؛ لأنه إن كانت بينهما بعد ذلك خلطة لحقته اليمين، وإن لم تكن بينهما خلطة لم تلحقه، وبالله التوفيق.

.مسألة أكراه الدار بستة دنانير فنقده ثلاثة وبقي عليه ثلاثة ففلس المكتري:

ومن كتاب استأذن سيده:
وسألته: عن الذي يكتري الدار سنة بستة دنانير فينقده ثلاثة دنانير ويبقى عليه ثلاثة، فلما سكن ستة أشهر فلس المكتري؟ قال: يخير صاحب الدار، فإن شاء ترك الدار لتمام السنة وحاص الغرماء بثلاثة دنانير في مال المفلس، فإن أبى إلا أن يأخذ داره رد نصف الثلاثة التي قبض وقبض داره وحاص الغرماء بما زاد في مال المفلس؛ لأن الثلاثة التي قبض كانت كراء لما سكن ولما بقي، فلما كانت كراء لما سكن ولما بقي، قيل له: رد ما كان كراء لما بقي من السنة وتأخذ دارك وتحاص الغرماء بنصف كراء ما سكن؛ لأنه قد صار لك عديما بذلك، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه دينارا ونصفا تمام كراء الستة الأشهر التي بقيت ويأخذوا الدار إلى السنة فيكون ذلك لهم إذا أعطوه دينارا ونصفا؛ لأنه لو أخذ داره كان عليه أن يرد عليهم دينارا ونصفا، فإذا أقروا ذلك في يده وأعطوه دينارا ونصفا فذلك تمام ثلاثة دنانير كراء الستة أشهر التي بقيت، فيكونون أولى بالدار ويحاص بدينار ونصف صاحب الدار في مال المفلس، وذلك تمام ستة دنانير.
وكذلك أيضا العمل في البز وفي جميع الأشياء إذا اشترى رجل عدلين ففلس المشتري فلم يوجد عنده إلا عدلا واحدا وقد قبض البائع نصف الثمن كان العمل فيه على ما فسرت لك في كراء الدور وفي كل شيء كذلك العمل فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على مذهب ابن القاسم في المدونة وعلى معنى ما تقدم في رسم قطع الشجر من سماع ابن القاسم، وفي بعض وجوهها اختلاف.
فأما قوله: إذا فلس المكتري بعد ستة أشهر إن صاحب الدار يخير فإن شاء ترك الدار إلى تمام السنة وحاص الغرماء بثلاثة دنانير في مال المفلس، فلا أعرف فيه نص خلاف، إلا أنه داخل فيه بالمعنى، وذلك أن هذا إنما يصح على قياس قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء قبضا لجميع الكراء، فيجيز أخذ الدار للمكري من الدين.
وأما ابن القاسم فالقياس على أصله أن يحاص الغرماء بكراء ما مضى ويأخذ داره، ولا يكون له أن يسلمها ويحاص الغرماء بالثلاثة دنانير.
وإذا أسلم الدار وحاص الغرماء ببقية كرائه قبض ما صار له في المحاصة إن كان الكراء وقع بالنقد.
وأما إن لم يكن وقع بالنقد ولا كان العرف فيه النقد فلا يجب أن يقبض ما صار له في المحاصة؛ لأنه لم يسلم السكنى، ويوقف، فكلما سكن شيئا أخذ بقدره من ذلك.
وأما قوله فإن أبى إلا أن يأخذ داره رد نصف الثلاثة التي قبض وقبض داره، ففيه ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها هذا، والثاني: أنه ليس له أن يأخذها إلا أن يرد الثلاثة التي قبض وهو الذي يأتي على ما في الموطأ لمالك، والثالث: أن له أن يأخذ داره ولا يرد شيئا، وتكون الثلاثة التي قبض ثمن الستة التي سكن، روي ذلك عن ابن أبي زيد وهو مذهب الشافعي.
وأهل الظاهر يقولون إنه إذا قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء بجميع ما بقي له منه، ولا يكون له حق في أخذ شيء مما أدرك بدليل قوله في الحديث: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به».
واختلف إذا أعطاه الغرماء دينارا ونصفا تمام كراء الستة الأشهر التي بقيت وأخذوا الدار إلى تمام السنة، فقيل: إنهم يكونون أحق بها ويحاص صاحب الدار بدينار ونصف في مال المفلس سوى الدار، وهو قوله في هذه الرواية، وقيل: إنهم يكونون أحق بدينار ونصف من السكنى؛ لأنهم افتدوه بذلك فيكرون به الستة الأشهر الباقية حتى يستوفوه منها كما لو فدوها به من رهن؛ لأنهم حلوا فيها محل ربها، فلما كان أحق بها كانوا أحق منها بما فدوه حتى يستوفوه، وقيل: إنهم لا يكونون أحق بشيء منه ويحاصهم فيه صاحب الدار بالدينار ونصف الباقي له من ثمن الماضي.
وقد قال ابن وهب: إنه ليس للغرماء أخذ بقية الكراء حتى يدفعوا إليه جميع دينه من الكراء، وبالله التوفيق.